حقيقة المؤامرة على سوريا

ايادي عملاء امريكا واسرائيل في سفك دماء السوريين

هل هناك تآمر على سوريا الدولة والشعب أم أن هذا هراءٌ وافتراءٌ من قبل سلطةٍ قامعةٍ متشبثةٍ بالسلطة حتى آخر رمق؟ أو من قبل مثقفين موالين لهذه السلطة أو متمتعين بدرجةٍ عاليةٍ من السذاجة؟
بالطبع لا أوجه حديثي لمعارضة لا يشغلها كثيراً التبعية لقوى الهيمنة الأجنبية أو الرجعية العربية ولا من يسعى لتكون سوريا دولةً وهابيةً تحت حكمٍ شموليٍ آخر يقمع هذه المرة باسم الدين يتبع سياسياً لقوى الهيمنة الغربية التي لا يمانع في مغازلتها بل يتعاون معها، وهكذا تصبح سوريا أداةً لتحقيق إستراتيجيتها في الوطن العربي ومحيطه الإقليمي عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير الملتف بعباءة الديمقراطية وبمذاق إسلامي. لعلنا نتذكر ما حدث من قبل في العشرينات من القرن الماضي والذي نتج عنه تقسيم الأمة العربية واتساع الهيمنة الاستعمارية ناهيك عن اغتصاب فلسطين. فقط أتوجه بحديثي لعموم الشعب السوري وللمثقفين العرب الوطنيين وللمعارضة السورية الوطنية الغاضبة من ممارسات النظام والتي تهدف إلى إجراء إصلاحٍ جذريٍ وحقيقيٍ وسريعٍ ينقل سوريا إلى نظام يتمتع فيه الشعب بحرياتٍ واسعةٍ ومشاركة سياسية فعالة وباقتصاد يخدم كل فئات الشعب ويقلل الفجوة بين الأثرياء والفقراء وبمراقبة شعبية جادة تحاصر الفساد والمفسدين، نظام يواجه المخططات الصهيونية والإملاءات الغربية والتآمر العربي الرجعي والإقليمي بدعم فعلي من الشعب. هكذا نريد سوريا نموذجاً عربياً يستخدم القوة الشعبية والتقدم العلمي والتماسك الاجتماعي لمواجهة كافة التحديات.

تساؤلات

ما الذي يحدد مسار انتفاضات شعبية تلقائية بدون قيادات موحدة لها برنامج واضح ؟ وما هي احتمالات التوظيف من قبل قوى داخلية أو أجنبية؟ هل هناك نماذج تأريخية معاصرة وأحداثٌ آنيةٌ في مصر وتونس تشير إلى أن القوى الأكثر تنظيماً وتمويلاً ودعماً من قوى خارجيةِ عربيةٍ وغربيةٍ هي الوريث الأكثر احتمالاً للنظام إذا سقط وهي التي ستحدد نوعية الديمقراطية والاتجاهات الاقتصادية والسياسية والقومية؟ ما هي دلالات شعارات الإسلام السياسي والمصاحبة لتغيير الأعلام (استبدال اللون الأحمر بالأخضر في سوريا) ورفع الأعلام السعودية بميدان التحرير بمصر؟
هل أصبحت الثنائية قاعدتنا الفكرية التي لا مناص منها؟ وأن علينا الاختيار بين الديمقراطية والتبعية أو الاستقرار والتخلف؟ وهل يمكن أن نرفض الاستبداد والتبعية معاً وفي آن واحد؟
هل تعلمنا شيئاً من اختياراتنا السابقة والتي ثبت خطئها المدمر؟ هل استوعبنا حقاً تجربتنا مع العقيد البريطاني لورانس بعقاله العربي؟ ألا يكفي لورانس المخادع وكيسنجر برحلاته المكوكية أم أن البعض أصبح مدمناً ويحتاج دوماً للورانس جديد في أشخاص مثل هنري برنارد ليفي أو شخصيات عربية تابعة للإدارات والمخابرات الغربية؟
إذا لم يكن هذا التوقيت هو وقت شجاعة المواقف واليقظة الشديدة والاختيارات الصحيحة مهما كانت صعبة فمتى إذاً؟ هل ننتظر عقداً من الزمن حتى نتيقن ببعد المؤامرة ثم نمضي عقوداً بعد ذلك نتحدث ونندب حظنا من سايكس بيكو أكثر وطأة وخراباً؟

التآمر على سوريا
حقائق وتصريحات
تقول المتحدثة الرسمية لوزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند في المؤتمر الصحفي المنعقد في 16 يونيو 2011م “نحن بدأنا توسيع اتصالاتنا مع السوريين الذين ينادون بالتغيير داخل وخارج سوريا”. تحدثت نولاند عن “الاتصالات الواسعة” التي تقوم بها وزيرة الخارجية الأميركية مع الحلفاء وتركيا وآخرين وتبادل المشورة في العالم العربي ….” وقام بذلك أيضاً مساعد الوزيرة فيلتمان سيء الصيت “نحن نزيد اتصالاتنا مع هؤلاء السوريين الذين يقفون مع التغيير بداخل سوريا وخارجها” وعندما سألت عن نوع المساعدات التي تقدم للمعارضين قالت “لا أريد أن أتحدث أكثر من ذلك في هذا الوقت لأن المحادثات سرية ونحن نريد أن نتمكن من توسيع وتعميق هذه المحادثات” وعندما سألت عن كيفية القيام بالاتصالات مع المعارضة أجابت “لا أعتقد أنه من مصلحة العمل الذي نسعى له لفهم هذه المجموعات واحتياجاتهم والعمل معهم حتى نرى سوريا التي يريدون… لن أدخل في تفاصيل عديدة”. نص الحديث يمكن الحصول عليه على الشبكة الالكترونية.
وفي تعقيب على تصريحات نولاند يقول ميشيل شوسودوفسكي الأكاديمي الكندي في 17 يونيو 2011م ” أن زعزعة استقرار سوريا ولبنان هو جزء من مخطط أميركي-إسرائيلي-حلف الناتو منذ عشر سنوات على الأقل”. ألا يذكرنا هذا بالتحالف الفرنسي البريطاني الاسرائيلي في عام 1956؟ أم أن ذلك كان وهماً أيضاً؟ ذكر الجنرال ويسلي كلارك القائد السابق لحلف الناتو أن “خطة حملة الخمس سنوات.. شملت سبع دول بدءًا بالعراق ثم سوريا ولبنان وليبيا وإيران وصوماليا والسودان” انظر كتاب انتصار في الحروب الحديثة Winning Modern Wars, W. Clark صفحة 130. نلاحظ أن مصر وتونس واليمن ليست من الدول السبع!!

ألم تعترف الصحافة الغربية (واشنطن بوست، نيويورك تايمز والإندبندت وغيرها) أن هناك مجموعات مسلحة مناوئة للنظام؟ وأن هناك تمويلاً لمنظمات سورية معارضة بما في ذلك قناة تليفزيون بردي؟ (راجع تصريحات تامارا واتس مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية في الواشنطن بوست 14 إبريل 2011م).
ألم يقرأ المعارضون الوطنيون تصريحات رسمية أميركية في 13 يونيو 2011م نيويورك تايمز عن مسلحين إسلاميين يسيطرون في الشمال الغربي من سوريا؟ كما ذكرت الصحيفة أن الإخوان المسلمين يتهمون أي شخص يتحدث عن المجموعات المسلحة وتواجدهم المكثف يتهم بأنه موالٍ للنظام السوري؟
ماذا كان يفعل ليون بانتا رئيس المخابرات الأميركية على الحدود التركية السورية في 26 إبريل 2011م ؟
ألم تعلن الإدارة الأميركية مراراً أن سوريا هي جزء من محور الشر مع إيران وكوريا الشمالية وبذلك حلت محل العراق بعد احتلالها عام 2003 بحجة أن أسلحة من شمال كوريا تهرب إلى حماس وحزب الله؟ فبعد أن كان محور الشر حسب خطاب بوش عام 2002م يشمل كوريا الشمالية والعراق وإيران بحجة المساعدة الإرهاب ومحاولة الحصول على سلاح دمار شمال (مثل الذي تملكه الولايات المتحدة بغزارة) أضاف جون بولتون عام 2002 وزير الخارجية الأميركي المساعد و الذي أصبح فيما بعد سفير أميركا في الأمم المتحدة ليبيا وسوريا وكوبا إلى محور الشر كما تحدث شاؤول موفاز وزير الحرب الصهيوني عام 2006 عن محور الإرهاب بين سوريا وإيران أما الصحفي شارلز كراوثهامر المعروف بصهيونته عام 2005م فأعلن أن بشار الأسد هو” أعتم طبيب عيون أنتجته مدارس الطب البريطانية” ألا يذكرنا ذلك بتلقيب عبد الناصر “بهتلر النيل” قبل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م؟ أليس هذا متناسقاً مع شيطنة أعداء الإمبريالية؟ ما معنى ذلك واقعياً؟ حصار اقتصادي، تآمر سياسي وأمني وإذا لزم الأمر تدخل أو اجتياح عسكري. الم يتبع ذلك اتهام المسئولين السوريين بضلوعهم في مقتل رفيق الحريري حتى أصبحت المحاكمة الدولية والإعداد لها قضية القضايا وتتابع رؤساء لجنة التحقيق الدولية من ميليس إلى براميرتز إلى بيليمار؟ ألم ينكشف زيف الادعاءات والشهود الزور؟ الم يتحول الاتهام فجأة من القيادات السورية إلى حزب الله؟
ألم تفشل إسرائيل الحليف الاستراتيجي المعلن والمؤكد في هزيمة حزب الله والقضاء عليه؟ بل ألم ينتصر حزب الله مرتين الأولى عندما حرر لبنان من القوات الإسرائيلية وجيش لحود العميل، والمرة الثانية عندما حقق أكبر انتصار تأريخي على الجيش الإسرائيلي في 2006م؟ ألا يتبع ذلك ضرورة بل حتمية الانتقام أو محاولة القضاء على المقاومة اللبنانية ومن يدعمها؟ من الذي دعم هذه المقاومة؟ ألم يساهم النظام السوري بشكل أساسي في هذا الدعم؟ ألا يستحق هذا النظام جزءًا مهماً من شرف الانتصار؟ ألم يعاقب النظام سياسياً واقتصادياً وقضائياً من جراء ذلك؟
الاستنتاج المنطقي أن سوريا حكومة وشعباً مستهدفون من قبل إسرائيل وأميركا وحلفائهما في المنطقة. كيف؟ بإثارة القلاقل داخلياً والفتن والقضاء على النظام من الداخل واستخدام نقاط الضعف في المجتمع السوري وأخطاء النظام وتباطؤه في إصلاح جذري واستئثاره بالسلطة وجزء مهم من الثروة واستغلال معاناة شرائح من المجتمع المتضررين اقتصادياً. لماذا نندهش إذاً عندما نقرأ ما جاء في صحيفة الواشنطن بوست الأميركية في 18 إبريل الحالي؟ نقلاً عن الوثائق الدبلوماسية التي سربها موقع ويكيليكس مؤكدة تمويل الإدارة الأميركية لعناصر داخلية سورية منذ عام 2006م . ليس هذا فقط فقوى الهيمنة الغربية تستخدم كل الأدوات المتاحة له مثل أعداء النظام داخلياً مثل رفعت الأسد وعبد الحليم خدام الذين لهم علاقات معلنة مع الإدارات الغربية ومؤسساتها المخابراتية. وأيضاً استخدام الإخوان المسلمين والسلفيين ومثقفي الليبرالية الجديدة المنتمين فكرياً على الأقل للمعسكر الإمبريالي والذين يسقطون القضايا القومية والوطنية والتركيز فقط على تداول السلطة وتعدد الأحزاب أي “الديمقراطية” حسب المقاس الغربي والمتناسقة مع ما يسمى باقتصاد السوق الحر. وها هي المؤسسات المالية العالمية تفرض شروطها على الشعب المصري الآن والتي تطابق مع الشروط التي رفضها عبد الناصر لبناء السد العالي. لا شك أن المناخ القائم يمثل بيئة تمكن انتهازيين لركوب موجة الغضب الشعبي المشروع لتحقيق أهداف سياسية ضيقة، كيف؟ إعلامياً بالأكاذيب وتضخيم بعض الحقائق إعلام دعائي يفتقد المهنية حتى أن فير انتقدت الجزيرة لممارساتها الدعائية وليست الإعلامية مما دفع غسان بن جدو للاستقالة، بالتهديد والوعيد المحاصرة الإقليمية من قبل الناتو تركيا والدولية باستخدام الأمم المتحدة وبان كي مون مثل وتهريب السلاح عبر الحدود وهنا نتساءل لماذا تتركز المواجهات العسكرية على الحدود الأردنية اللبنانية التركية والبحر؟ أليس هذا سؤالاً مشروعاً؟
أؤكد مرة أخرى على ضرورة أن تتخذ سوريا النظام والمعارضة قراراتٍ شجاعةً وحاسمةً، فالتأريخ سيدين كل القوى التي ساهمت بوعي أو بقصر نظر في تفتيت سوريا وتمزيقها لصالح القوى الاستعمارية. إن قدراً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتق المعارضة الوطنية ورموزها التي سمحت بتبنيها شعار “إسقاط النظام” الذي تبنته إن لم تكن دفعت به قوى الهيمنة الغربية والرجعية العربية، والتي توظفه لخدمة أغراضها والتي تتنافي مع أهداف المعارضة الوطنية ذاتها. وها نحن نشهد “انتصاراً” ليبيا بقيادة الناتو كما شاهد أجدادنا “انتصاراً” عربيا بقيادة لورانس والنتائج واحدة فلنعمل بوعي وبجدية لمنع “انتصاراً” آخر بسوريا وذلك بالدفع في اتجاه إصلاح جذري بسوريا وبإسقاط شعار إسقاط النظام العربي الممانع الوحيد.

أ.د. محمد أشرف البيومي

اضف رد