المطلوب شراكة سياسية حقيقة من أجل مواجهة التحديات .. ‫رامز مصطفى‬

الرفيق ابوعماد رامز مصطفى

 

أدبيات الفصائل الفلسطينية وبرامجها السياسية، ومنذ انطلاقتها تكاد تكون متطابقة خصوصاً في ما يتعلق بالمبادئ والمنطلقات الوطنية. ومجموعها تقاطعت عند أنّ الشرط الأساسي من أجل إنجاز برنامج التحرّر الوطني، هو تحقيق الوحدة الفلسطينية، التي من دونها لا إمكانية أن يصل كفاح ونضال شعبنا إلى التحرير، وهزيمة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين. لكن مع تأكيد قوى الشعب الفلسطيني على هذه القاعدة الذهبية الشرطية، نجد أنّ الغالبية الفصائلية – إنْ لم تكن جميعها – تدعو إليها، وتجعلها لازمة خطابها السياسي والتعبوي. إلاّ أنّ ذلك يتناقض جذرياً مع تطبيقاتها العملية. والغريب في الأمر أنّ الجميع يؤكد أنّ الكيان الصهيوني وظف ويوظف حالة الانقسام في فرض وقائعه الميدانية على عناوين القضية الوطنية. بل عمل ليل نهار من أجل منع هذه الوحدة، التي بات يُطلق عليها مصطلح «المصالحة». على اعتبار أنّ الساحة الفلسطينية، قد تحوّلت إلى قبائل وعشائر، ليس إلاّ. ولم يُخف قادة الكيان امتعاضهم من تمكن فصائل الانقسام، أنها توصلت إلى تفاهمات تنهي حالة الانقسام، الذي من الواضح أنه قد وجد مكاناً له في ذهنية وعقلية البعض. وبالتالي أي الانقسام، قد نال من عزيمة الفصائل في إمكانية التحرّر منه. حتى غدت هذه الفصائل حبيسته وأسيرته.

وإنْ كنا من بين كُثر يؤمنون، بحتمية انتصار مشروعنا الوطني الفلسطيني في نهاية مطاف الصراع الطويل مع الكيان الغاصب، لكن هذا الإيمان المستند إلى هذه الحتمية، لا بدّ له من روافع وحواضن وشبكات أمان وحماية. لأنّ حجم التحديات يكبر ككرة الثلج مع مرور الوقت. والحرب «الإسرائيلية» الأخيرة على قطاع غزة بنتائجها الكارثية، تمثل اليوم التحدي الأبرز أمام السلطة والفصائل من جملة هذه التحديات. حيث الآلاف من أهلنا سيمضون فصل الشتاء في ظروف بالغة السوء، ناهينا عن ازدياد تفشي البطالة، وظاهرة الهجرة إلى خارج القطاع، بسبب ما خلفه العدوان من دمار هائل وصعوبات حياتية ليست بالبسيطة. ولا أحد يمكنه التأكيد أو التكهّن متى سينطلق قطار الإعمار في ظلّ التجاذبات ودفتر الشروط السياسية المطلوب الموافقة عليها من قبل قوى المقاومة. مضافاً إلى ذلك ما تتعرّض له القدس من عمليات تهويد وضمّ، وانتهاكات يومية للمسجد الأقصى تهدف إلى الاستيلاء عليه بعد تقسيمه زمانياً ومكانياً. مع المعركة السياسية المفتوحة، للحصول على قرار من مجلس الأمن يحدّد السقف الزمني لإنهاء الاحتلال «الإسرائيلي» للأراضي الفلسطينية المحتلة، من أجل تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته على أراضي العام 1967، وذلك بحسب توجهات السلطة والقيادة في رام الله. ومؤكد أنّ هناك الكثير من التحديات تعترضنا.
المشهد الفلسطيني الراهن، حيث الانقسام طابعه وسمته، لا يوحي بأن هناك قدرة حقيقية على مواجهة جملة هذه التحديات، بالعقلية التي تتحكم بالعلاقات الوطنية، وهنا لا أقصد جهة بعينها بل إنّ الجميع يتحمّل المسؤولية، وإنْ بنسب متفاوتة. وهذا ليس من باب السوداوية أو النظرة التشاؤمية، بل من باب الإقرار في الواقع المُعاش. لأنّ من لديه إرادة المواجهة والتصدي للتحديات التي يراكمها المحتل في وجهنا جميعاً، لا يجوز أن يستمرّ في التعاطي باستخفاف إزاء قضية الوحدة الوطنية. المغيّبة عن فعل العمل والترجمة، والحاضرة في بلاغة الإنشاء والخطابة والكلام المعسول الذي لا يُغني القضية في شيء، سوى أنها استمرار لسياسة ذرّ الرمال في عيون الجمهور الفلسطيني، وممارسة فنون الديماغوجيا عليه. وإلاّ ما معنى أن يستمرّ الانقسام، على الرغم من التفاهمات والاتفاقات المتعدّدة بين حماس وفتح، حيث لا يزال التراشق السياسي والإعلامي وكيْل الاتهامات المتبادلة مستمراً بين الطرفين، تستخدم فيه وسائل وأساليب وتوصيفات مدانة، لأنّ فيها مسّاً بالقيم والأصول الواجب التمسك بها، حتى في ظلّ الخلافات بين القوى والفصائل. والغريب في الأمر أنّ بقية الفصائل والقوى لا تزال تتعاطى مع هذه القضية الحيوية بكثير من الخجل والتردّد، وكأنّ الأمر لا يعنيها في شيء. وأشك أنها لا تدرك مخاطر استمرار هذا الانقسام، فعلى ماذا تراهن وتنتظر لكي تقول كلمتها، ويكون لها رأيها الواجب احترامه والأخذ به، خصوصاً أنها تمثل في مجموعها ثقلاً وحضوراً نضالياً لا يستطيع الآخرون تجاوزه أو القفز عليه. ولكن المطلوب أن تحرّر ذاتها من الحسابات الضيّقة هنا أو هناك. وهنا لا يجوز الفهم أنّ المطلوب من هذه الفصائل الانقلاب، بقدر ما هو مطلوب بلورة موقف ورؤية حلّ للخروج من المأزق الراهن الذي يطال الجميع. والشيء بالشيء يُذكر، مع تقديرنا العالي للوثيقة التي أطلقتها الجبهة الديمقراطية مؤخراً تحت عنوان «المبادرة الوطنية للوحدة والخلاص الوطني»، ولكن كان من المجدي والمفيد أن تكون المبادرة نتاج لجهد مجموع الفصائل والقوى الفلسطينية بعد حوارات أو لقاءات في ما بينها، من أجل مواجهة حالة الانقسام التي لا يزال طرفاها يُصرّان عليها بشكل أو بآخر. على الرغم من محاولات الإيحاء المتكرّرة، بأنّ الأوضاع ذاهبة نحو الأفضل في تطبيق عناوين المصالحة. لتُكتشف وعلى نحو سريع أنّ هذه الإيحاءات أو المشاهد قد أملتها ضرورات ظرفية، كالزيارة التي وُصفت بالتاريخية لرئيس حكومة الوفاق الوطني، الدكتور الحمد الله إلى قطاع غزة، حيث كانت ضرورة ملحّة، بل ومستعجلة على أبواب المؤتمر الدولي لإعمار قطاع غزة في القاهرة، سرعان ما انهار وهجها مع انتهاء المؤتمر. أمام ما تواجهه القضية الوطنية من تحديات ومخاطر جدية، وضغوط يمارسها الآخرون بهدف حماية الكيان الصهيوني، وإنقاذه من العقاب والمساءلة القانونية.
المطلوب مراجعة تقيمية نقدية، لمجمل السياسات التي آلت إلى ما تعانيه الساحة الفلسطينية من وهن وضعف. خصوصاً أنّ منطقة الشرق الأوسط تحترق بفعل ما تشهده من أحداث كبرى، قد أصبحت بنتيجتها القضية الفلسطينية من خارج سلّم الأولويات والاهتمامات. والعدوان «الإسرائيلي» الأخير على قطاع غزة خير شاهد على حالة التخلي هذه. مضافاً لذلك القدس وما يتعرض له المسجد الأقصى اليوم من اعتداءات وانتهاكات، لا نجد من يرفع الصوت، أو من يتخذ الموقف إزاء ذلك، أو من يحتضن ويتبنّى قضية القدس والمقدسيّين، إلاّ من رحم ربي.
هناك نجاحات في مكان ما، تذهب أدراج الرياح، في حال لم يتمّ توظيفها وترجمتها لصالح شعبنا وقضيته. ما يجري في الكثير من دول العالم، وخصوصاً الأوروبية من تحوّلات في الرأي العام المتفهّم أولاً لحاجات الشعب الفلسطيني في أن يقرّر مصيره بيده، وأن يعيش في دولة مستقلة ذات سيادة. والمؤثر ثانياً على قرارات دولها وحكوماتها. حيث برز تطوران هامان مؤخراً، الأول تمثل في اعتراف بعض البرلمانات الأوروبية بالدولة الفلسطينية، وإنْ كان هذا لا يقدم ولا يؤخر، إلاّ أنه نقطة تحوّل لا بدّ من تسجيلها والبناء عليها. والثاني تمثل بما يعتزم الاتحاد الأوربي القيام به من صوغ وثيقة، يحدّد فيها الخطوط الحمر للسياسات «الإسرائيلية» في الضفة الغربية، حيث ستطالب الوثيقة حكومة نتنياهو بالامتناع عن البناء الاستيطاني في القدس، ومنطقة E1 بين «معاليه أدوميم» والقدس، وجبل أبو غنيم، ووقف المخطط الهادف إلى نقل الفلسطينيين البدو إلى غور الأردن. وتشدّد الوثيقة على عدم الإقدام على أيّ تغيير في الوضع القائم بالمسجد الأقصى. وأيّ خرق لعناوين الوثيقة سيترتب عليه عواقب ستواجهها حكومة نتنياهو. هذه التحوّلات الدولية واتساع رقعتها، إزاء القضية والشعب الفلسطيني وما يتعرّض له من جرائم ومجازر صهيونية، لا بدّ أن تقابَل بالجدية من قبل السلطة في عدم التراخي والاستجابة للضغوط الأميركية عليها في منعها من التوجه إلى مجلس الأمن والمنظمات والمحاكم الدولية، وبالتالي وقف التنسيق الأمني، والبدء في التخلي عن مترتبات «اتفاق أوسلو»، وعدم إعطاء الإدارة الأميركية المهل الإضافية من أجل المفاوضات. والأهمّ من ذلك تكريس المصالحة والشراكة السياسية الوطنية الحقيقية في الساحة الفلسطينية، تحت مظلة وقبة منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية.

اضف رد